الشوكاني

209

فتح القدير

سورة الإسراء الآية ( 7 - 11 ) قوله ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ) أي أعلمنا وأخبرنا ، أو حكمنا وأتممنا ، وأصل القضاء : الإحكام للشئ والفراغ منه ، وقيل أوحينا ، ويدل عليه قوله إلى بني إسرائيل ، ولو كان بمعنى الإعلام والإخبار لقال قضينا بني إسرائيل ، ولو كان بمعنى حكمنا لقال على بني إسرائيل ، ولو كان بمعنى أتممنا لقال لبني إسرائيل ، والمراد بالكتاب : التوراة ، ويكون إنزالها على نبيهم موسى كانزالها عليهم لكونهم قومه ، وقيل المراد بالكتاب اللوح المحفوظ . وقرأ أبو العالية وسعيد بن جبير " في الكتب " . وقرأ عيسى الثقفي ( لتفسدن في الأرض ) بفتح المثناة ، ومعنى هذه القراءة قريب من معنى قراءة الجمهور ، لأنهم إذا أفسدوا فسدوا في نفوسهم ، والمراد بالفساد مخالفة ما شرعه الله لهم في التوراة ، والمراد بالأرض أرض الشام وبيت المقدس . وقيل أرض مصر . واللام في لتفسدن جواب قسم محذوف . قال النيسابوري : أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل : وأقسمنا لتفسدن وانتصاب ( مرتين ) على أنه صفة مصدر محذوف ، أو على أنه في نفسه مصدر عمل فيه ما هو من غير جنسه ، والمرة الأولى قتل شعياء أو حبس أرمياء أو مخالفة أحكام التوراة . والثانية قتل يحيى بن زكريا والعزم على قتل عيسى ( ولتعلن علوا كبيرا ) هذه اللام كاللام التي قبلها : أي لتستكبرن عن طاعة الله ولتستعلن علي الناس بالظلم والبغي مجاوزين للحد في ذلك ( فإذا جاء وعد أولاهما ) أي أولى المرتين المذكورتين ( بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد ) أي قوة في الحروب وبطش عند اللقاء . قيل هو بختنصر وجنوده ، وقيل جالوت ، وقيل جند من فارس ، وقيل جند من بابل ( فجاسوا خلال الديار ) أي عاثوا وترددوا . يقال جاسوا وهاسوا وداسوا بمعنى ، ذكره ابن غرير والقتيبي . قال الزجاج : معناه طافوا خلال الديار هل بقي أحد لم يقتلوه ؟ قال : والجوس طلب الشئ باستقصاء . قال الجوهري : الجوس مصدر قولك جاسوا خلال الديار : أي تخللوها كل كما يجوس الرجل للأخبار ، أي يطلبها ، وكذا قال أبو عبيدة . وقال : ابن جرير : معنى جاسوا طافوا بين الديار يطلبونهم ويقتلونهم ذاهبين وجائين . وقال الفراء : معناه قتلوهم بين بيوتهم وأنشد لحسان : ومنا الذي لاقى بسيف محمد * فجاس به الأعداء عرض العساكر وقال قطرب : معناه نزلوا وأنشد قول الشاعر : فجسنا ديارهم عنوة * وأبنا بساداتهم موثقينا وقرأ ابن عباس " فحاسوا " بالحاء المهملة . قال أبو زيد : الحوس والجوس والعوس والهوس : الطوف بالليل وقيل الطوف بالليل هو الجوسان محركا كذا قال أبو عبيدة . وقرئ " خلل الديار " ومعناه معنى خلال وهو وسط